جلال الدين السيوطي
524
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
ولما مات سيبويه قيل ليونس بن حبيب : إنّ سيبويه قد ألّف كتابا في ألف ورقة من علم الخليل . قال يونس : ومتى [ سمع ] سيبويه هذا كلّه من الخليل ؟ جيئوني بكتابه . فلما رآه ونظر فيه ، رأى كلّ ما حكاه ، فقال : يجب أن يكون هذا الرجل صدق عن الخليل في جميع ما حكاه كما صدق فيما حكاه عني . وقال صاعد بن أحمد الجيّانيّ من أهل الأندلس « 1 » : لا أعرف كتابا ألّف في علم من العلوم قديمها وحديثها ، فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفنّ غير ثلاثة كتب : أحدها : المجسطيّ لبطليموس في علم هيئة الأفلاك ، والثاني : كتاب أرسطاطاليس في المنطق ، والثالث : كتاب سيبويه في النحو ؛ فإنّ كلّ واحد من هذه لا يشذّ عنه من أصول فنّه شيء إلا ما لا خطب له . وقال الصلاح الصفديّ : مات سيبويه بشيراز سنة ثمانين ومائة ، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة ، ويقال : إنّه نيّف عن الأربعين سنة . قال : وهو الصحيح ؛ لأنّه روى عن عيسى بن عمر ، وعيسى مات سنة تسع وأربعين ومائة ، فمن وفاة عيسى إلى وفاة سيبويه إحدى وثلاثون سنة ، وما يكون قد أخذ عنه إلا وهو يعقل ، ولا يعقل حتى يكون بالغا ، وعلى قبر سيبويه بشيراز هذه الأبيات ، وهي لسليمان بن يزيد العدويّ : ذهب الأحبة بعد طول تزوار * ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا تركوك أوحش ما تكون بقفرة * لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا قضي القضاء وصرت صاحب حفرة * عنك الأحبة أعرضوا وتصدّعوا وفي طبقات الزبيديّ : قال أحمد بن معاوية بن بكر العليميّ : ذكر سيبويه عند أبي ، فقال عمرو بن عثمان : قد رأيته ، وكان حدث السّنّ ، كنت أسمع في ذلك العصر أنّه أثبت من حمل عن الخليل ، وقد سمعته يتكلّم ويناظر في النحو ، وكانت في لسانه حبسة ، ونظرت في كتابه ، فقلمه أبلغ من لسانه .
--> ( 1 ) طبقات الأمم : 40 .